الخطيب الشربيني
374
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
صالحا فَأُولئِكَ أي : العالو الرتبة لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ أي : أن يأخذوا جزاءهم مضاعفا في نفسه من عشرة أمثاله إلى ما لا نهاية له بِما عَمِلُوا فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس الإيمان ، ثم زاد وقال تعالى وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ أي : العلالي المبنية فوق البيوت في الجنات زيادة على ذلك آمِنُونَ أي : ثابت أمانهم دائما لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلا ، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم ، وقرأ حمزة بسكون الراء ولا ألف بعد الفاء على التوحيد على إرادة الجنس ولعدم اللبس لأنه معلوم أن لكل أحد غرفة تخصه ، وقد أجمع على التوحيد في قوله تعالى : يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ [ الفرقان : 75 ] ولأن لفظ الواحد أخف فوضع موضع الجمع مع أمن اللبس ، والباقون بضم الراء وألف بعد الفاء على الجمع جمع سلامة ، وقد أجمع على الجمع في قوله تعالى لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً [ العنكبوت : 58 ] . ثم بين حال المسئ وهو من يبعده ماله وولده من الله تعالى بقوله سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ أي : يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم فِي إبطال آياتِنا أي : حجتنا على ما لها من عظمة الانتساب إلينا مُعاجِزِينَ أي : طالبين تعجيزها أي : تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مرادهم بها بما يلقون من الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد أُولئِكَ أي : هؤلاء البعداء البغضاء فِي الْعَذابِ أي : المزيل للعذوبة مُحْضَرُونَ أي : يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله . قُلْ أي : يا أشرف الخلق لجميع الخلق ومنهم هؤلاء إِنَّ رَبِّي أي : المحسن إلي بهذا البيان وغيره يَبْسُطُ الرِّزْقَ أي : يوسعه لِمَنْ يَشاءُ متى شاء مِنْ عِبادِهِ امتحانا وَيَقْدِرُ أي : يضيقه لَهُ بعد البسط ابتلاء قال البيضاوي : فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين ، وما سبق في شخصين فلا تكرار . ولما بين بهذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب السلامة من النار دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي : فهو يعوضه لا معوض سواه إما عاجلا بالمال ، أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد ، وإما آجلا بالثواب الذي كل خلف دونه ، وعن سعيد بن جبير ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه ، وعن الكلبي ما تصدقتم من صدقة أو أنفقتم في خير من نفقة فهو يخلفه على المنفق ، إما أن يعجل له في الدنيا ، وإما أن يدخر له في الآخرة ، وعن مجاهد من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد ، فإن الرزق مقسوم ، ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه فينفق جميع ما في يده ثم يبقى طول عمره في فقر ولا يتأول وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [ سبأ : 39 ] فإن هذا في الآخرة ومعنى الآية : وما كان من خلف فهو منه فدل ذلك على أنه مختص بالإخلاف لأنه ضمن الإخلاف لكل ما ينفق على أي وجه كان ، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « قال الله تبارك وتعالى أنفق ينفق عليك » ولمسلم : « يا ابن آدم أنفق أنفق عليك » « 1 » وعن أبي هريرة أيضا : أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4684 ، ومسلم في الزكاة حديث 993 ، وابن ماجة في الكفارات حديث 2123 .